فخر الدين الرازي
21
شرح الفخر الرازى على الاشارات
الجسمية ماهية واحدة فهي اما أن تكون غنية عن المحل أو لا تكون فان كانت غنية عن المحل كانت جميع أفرادها كذلك فكل جسمية فهي غنية عن المحل وكل ما كان غنيا عن المحل استحال حلوله في المحل فإذا كل جسمية فهي غير حالة في المحل هذا خلف وان لم تكن الجسمية غنية عن المحل كانت محتاجة إلى المحل فهي أينما وجدت كانت محتاجة إلى المحل والحاصل أنا لما علمنا في الأجسام القابلة للانفكاك احتياج جسميتها إلى محل ومادة علمنا أن الجسمية لذاتها محتاجة إلى المحل وذلك يقتضى احتياج كل جسمية إلى المحل سواء صح الانفكاك على ذلك الجسم أو لم يصح وهذا هو المراد من قول الشيخ ان الجسم طبيعة واحدة فإذا عرفت في بعض الأحوال حاجتها إلى ما يقوم فيه عرفت أن طبيعتها غير مستغنية عما يقوم فيه واعلم أن على هذا الكلام شكان أحدهما أن يقال لم قلتم ان الجسمية طبيعة واحدة في الأجسام كلها ولا يمكن دعوى البديهية فيه فانا قد بينا أن الجسم هو الذي يقبل الابعاد فههنا أمور ثلاثة أحدها الابعاد الثلاثة والثاني نفس قابلية الابعاد الثلاثة والثالث الشيء لذي عرض له ان كان قابلا للابعاد الثلاثة فاما الابعاد الثلاثة فليست نفس الجسمية عند الحكماء واما قابلية الابعاد الثلاثة فقد بينا انها ليست صفة ثبوتية وبتقدير أن تكون صفة ثبوتية فهي صفة خارجة عن ماهية الجسم فإذا ليست الجسمية الا الامر الذي عرض له ان كان قابلا للابعاد الثلاثة أو ما لأجله حصلت هذه القابلية وحقيقة ذلك الشيء غير معلومة لنا لأنا لا نعلم منه الا انه أمر ما يلزمه قبول الابعاد الثلاثة والعلم بكونه أمرا ما ليس علما بماهيته المخصوصة والعلم بقابلية الابعاد الثلاثة علم بلازم من لوازمه فإذا ماهية الجسم غير معلومة لنا وإذا كان كذلك فكيف يمكن ادعاء لعلم الضروري بان الجسمية ماهية مشتركة فيما بين الأجسام ولا يمكن أن يقال الأجسام لما اشتركت في قبول الابعاد الثلاثة والاشتراك في اللوازم يدل على الاشتراك في الملزومات فإذا الأجسام مشتركة في الجسمية فان الشيخ نص في النمط الرابع على أن الأشياء المختلفة في الماهية يجوز اشتراكها في لازم واحد فثبت انه لا طريق إلى الجزم يكون الأجسام مشتركة في الجسمية بل إن طائفة من الناس لما اعتقدوا انه لا معنى للجسمية الا التحيّز والمقدار وعلموا بداهة عقولهم اشتراك المتحيزات في طبيعة التحيز لا جرم استقام لهم دعوى الضرورة في ان الأجسام متساوية في الجسمية فان الحكماء لما بينوا ان التحيز والمقدار أمران مغايران للجسمية لازمان لها واعترفوا بأن الاشتراك في اللازم لا يدل على الاشتراك في الملزوم فكيف يمكنهم دعوى الضرورة في أن الأجسام مشتركة في الجسمية وأما قوله لأنها طبيعة نوعية محصلة تختلف بالخارجات عنها دون الفصول فهو جواب عن شك يذكر على قولنا الأجسام لما كانت مشتركة في الجسمية لزم من حاجة بعضها إلى المادة حاجة كلها إليها وذلك أن يقال إن الجنس له طبيعة واحدة في الأنواع ثم إنه في النوع المعين محتاج إلى فصل ذلك النوع وفي غير ذلك النوع لا يحتاج إلى ذلك الفصل مثل أن الحيوان الذي في الانسان محتاج إلى الناطق والحيوان الذي في الفرس مثل الحيوان الذي في الانسان في كونه حيوانا مع أنه لا يحتاج إلى الناطق فعلمنا أنه لا يلزم من حاجة الشيء إلى الشيء حاجة مثله إلى ذلك الشيء فإذا لا يلزم من احتياج جسمية الأجسام القابلة للانفصال إلى الهيولى حاجة جسمية الأجسام التي لا تقبل الانفصال إلى الهيولى وجواب الشيخ عن ذلك هو أن الجسمية طبيعة واحدة في الأجسام كلها والأجسام غير مختلفة فيها أصلا وانما اختلافها لأجل صورها النوعية والصورة النوعية وان كانت موجودة مع الصورة الجسمية في المادة الواحدة الا أنها تكون خارجة عن ماهية الصورة الجسمية وعن وجودها وأما الفصل فهو وان كان خارجا عن ماهية الجنس لكنه داخل في وجوده فإذا الجسمية طبيعة نوعية محصلة لأنها غنية عن الصور الطبيعية المقارنة لها في ماهيتها وفي وجودها بل لا تعلق بينها وبين الصور النوعية الا مجرد حلولهما في محل واحد وأما الجنس ذاته طبيعة غير محصلة بدون الفصل لأنه وان كان غنيا في ماهيته عن الفصل لكنه غير غنى في وجوده عنه فظهر ان الجسمية طبيعة نوعية محصلة وأنه لا اختلاف فيها الا بأمور خارجة عنها بخلاف الجنس فان طبيعته